الشيخ محمد رشيد رضا
371
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ لا ننسى أن هذه السورة نزلت في دعوة مشركي مكة إلى الاسلام ومحاجتهم في التوحيد والنبوة والبعث ، وأنها تكثر فيها حكاية أقوالهم في ذلك بلفظ ( وقالوا . . وقالوا . . ) وتلقين الرسول ( ص ) الحجج بلفظ ( قل . . قل . . ) حتى أن الامر بالقول تكرر فيها عشرات من المرار . وقد سبق في الآيات التي فسرناها منها قوله تعالى ( وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ . . . وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا . . - ) وأمره تعالى بالرد على كل من القولين وإقامة الحجج عليهم في موضوعهما بما فيه بيان فقد بعضهم الاستعداد للايمان - بعد هذا كله ذكر في هذه الآيات تأثير كفرهم في نفس النبي ( ص ) وحزنه مما يقولون في نبوته ، وسلاه عن ذلك ببيان سنته سبحانه وتعالى في الرسل مع أقوامهم ، وإيئاسه من إيمان الجاحدين المعاندين منهم - وقد تكرر هذا المعنى في السور المكية - فقال عز وجل : * * * قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الحزن ألم يلم بالنفس عند فقد محبوب ، أو امتناع مرغوب ، أو حدوث مكروه ، وتجب معالجته بالتسلي والتأسي وان كان بالحق للحق ، كحزن الكاملين على اصرار الكافرين على الكفر ، وقد أثبت تعالى لرسوله هذا الحزن اثباتا مؤكدا بتعلق علمه التنجيزي به في بعض الأحيان ، أي عندما كان يعرض له عليه السّلام ، وبأن مع ضمير الشان وباللام ، فكلمة « قد » على أصلها للتقليل ، وقيل إنها هنا للتكثير ، وإنما القلة والكثرة في متعلقات العلم لا العلم نفسه ، وقد نهاه تعالى عن هذا النوع من الحزن بقوله في سورة يونس ( 10 : 65 وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وفي سورة يس ( 36 : 75 فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ) كما نهاه عن الحزن عليهم لعدم ايمانهم في سورة الحجر ( 15 : 88 ) والنحل ( 16 : 127 ) والنمل ( 27 : 72 ) وتقدم تفسير